الغزالي
70
إحياء علوم الدين
له فيه ، إذ يكون المتصف بصفة في درجة متوسطة بين الدرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما . وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين ، فإن من لا شيء له معلوم أنه محتاج ، ومن له مال كثير معلوم أنه غنى . ويتصدى بينهما مسائل غامضة ، كمن له دار وأثاث وثياب وكتب ، فإن قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه ، والفاضل يمنع . والحاجة ليست محدودة ، وإنما تدرك بالتقريب . ويتعدى منه النظر في مقدار سعة الدار وأبنيتها ، ومقدار قيمتها ، لكونها في وسط البلد ، ووقوع الاكتفاء بدار دونها ، وكذلك في نوع أثاث البيت ، إذا كان من الصقر لا من الخزف ، وكذلك في عددها ، وكذلك في قيمتها ، وكذلك فيما يحتاج إليه كل يوم ، وما يحتاج إليه كل سنة من آلات الشتاء ، وما لا يحتاج إليه إلا في سنين . وشئ من ذلك لا حد له ، والوجه في هذا ما قاله عليه السلام [ 1 ] « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وكل ذلك في محل الريب وإن توقف المفتي فلا وجه إلا التوقف . وإن أفتى المفتي بظن وتخمين فالورع التوقف . وهو أهم مواقع الورع . وكذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب وكسوة الزوجات ، وكفاية الفقهاء والعلماء على بيت المال ، إذ فيه طرفان ، يعلم أن أحدهما قاصر ، وأن الآخر زائد ، وبينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص والحال . والمطلع على الحاجات هو الله تعالى ، وليس للبشر وقوف على حدودها . فما دون الرطل المكي في اليوم قاصرا عن كفاية الرجل الضخم ، وما فوق ثلاثة أرطال زائد على الكفاية ، وما بينهما لا يتحقق له حد فليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه وهذا جار في كل حكم نيط بسبب ، يعرف ذلك السبب بلفظ العرب ، إذ العرب وسائر أهل اللغات لم يقدروا متضمنات اللغات بحدود محدودة ، تنقطع أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستة ، فإنه لا يحتمل ما دونها وما فوقها من الأعداد ، وسائر ألفاظ الحساب والتقديرات . فليست الألفاظ اللغوية كذلك ، فلا لفظ في كتاب الله وسنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، إلا ويتطرق الشك إلى أوساط في مقتضياتها ، تدور بين أطراف متقابلة . فتعظم الحاجة إلى هذا الفن في الوصايا والأوقاف فالوقف على الصوفية مثلا مما يصح . ومن الداخل تحت موجب هذا الفظ ؟ هذا من الغوامض . فكذلك سائر الألفاظ